1. Skip to Menu
  2. Skip to Content
  3. Skip to Footer>

لقد خسرنا المعركة

افكار عادية جدا

revolutionإذا كانت البيئة المحيطة بك، والجو العاطفي والاجتماعي الذي يلفك، هو من يحفز دوافعك، ويشكل شخصيتك، ويرسم مستقبلك، ويكثف حاضرك، وإن كنت من مشاركي أو متعاطفي أو متضامني ثورة 25 يناير .. فلنقلها سوية بفم مفتوح، وصدر منشكح، لقد خسرنا المعركة

نعم المعركة لم تبتديء من 25 يناير ولكنها ابتدئت منذ آلاف السنين، عندما شق نهر النيل طريقه إلى البحر المتوسط، أي والله منذ هذا التاريخ، والمعارك مستمرة، والتي خسرناها واحدة تلو الأخرى، وفشختنا أيضا الواحدة تلو الأخرى.
منذ ان اختار الانسان المصري البدائي الأول أن يزرع، ويولف الحيوانات مع أهل بيته وعشيرته، واعتمد الزراعة، هنا اختار المصري أن يؤمن بالآلهة والقوى الغيبية أكثر مما ينبغي، وأن يعتمد على فرعون مستبد أكثر مما ينبغي، أسقط عليه أمانيه، وجعله في مقام الإله الذي يعبده، ربما كانت مزحة ساخرة عليه حتى يحفز فيه الخير والعدل باعتباره الرب الإله.

هنا أصبحت مصر الوادي السعيد، حلم أي مستبد، يشبع استبداده بلا تمرد بلا أدنى نوع من أنواع التمرد.

لا كانت هناك ثورات كثيرة في هذا البلد، ولكن التاريخ لا يكتبه إلا المنتصرون، ونحن بحكم العادة فشلنا، دعونا نقرأ في التاريخ البعيد نصف ثورة قام بها أجدادنا الشباب، عندما ولى عثمان بن عفان راعيا ظالما على مصر، رغم أن هناك رعاة ظلمة في بقاع مختلفة تحت حكم الخلافة آنذاك، ولكن المصريين أخذوا زمام المبادرة، وآمنوا بالتغيير، وحلموا بالعدل، وفعلوا ما لم يجرؤ أحد على فعله، حيث حاصروا بيت الخليفة شخصيا، وقتلوه، ثم ماذا ... لا شيء.

 

حلم المصريين بالعدل من عثمان بن عفان إلى مبارك 

 

تحول حلم المصريين بالعدل إلى صراع على الخلافة بين علي ومعاوية، وزرع المصريون من حيث لا يشعرون بفعلتهم آنذاك أول فتنة طائفية في تاريخ المسلمين.

هذا بعض التاريخ الذي عجز المنتصر أن يمحيه من ذاكرة المصريين، إنها النصف خطوة، والنصف ثورة التي قام بها أجدادنا، وأسوأ الكوارث تأتي من "النصف"، لم يخطر على بال أحدهم أن يأخذ سيف العدل بنفسه، ويقيمه بين المصريين.

إنها عقدة المصريين، لو قتلنا عثمان سيجيؤنا ألف معاوية، ولو أسقطنا مباركا واحدا، فيسخلفنا مليون سيسي.
وهكذا ظل المصريون يخسرون كل معاركهم الأصيلة، مع الزمن والآلهة والشيطان المستبد، إننا نسلم أنفسنا أكثر مما ينبغي للزمن، لا نفهمه ولا نقدره، نغتنم في شبابنا لذات كثيرة، حتى التمرد الديني والاجتماعي يتحول إلى مجرد متعة مراهقة بعيدة عن اختبار ومعايشة الفكرة والحالة، والبحث عما هو أصيل وبكر في شخصياتنا، حتى علاقاتنا العاطفية سرعان ما نتخلى عنها أمام أدنى الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، حتى ثوراتنا السياسية سرعان ما يتملكنا الإحباط والاكتئاب فور أي تحدي حقيقي من .. الزمن.

 

المحن أغاني وأشعار وروايات عند المصريين



ألم تقفش نفسك ذات لحظة وأنت تدندن مع أم كلثوم، أو تتمايل مع عبدالحليم، وماجدة، وجورج وسوف، أيا كان ذوقك .. تأمل في الأغاني والكتب والأفلام التي نعجب بها، أي شيء هي غير "المُحن"، هناك مُحن هابط مثل أغاني مصطفى كامل وقصائد فاروق جويدة، وهناك مُحن راقي مثل أغاني أم كلثوم، وروايات صنع الله إبراهيم.

أتدري ما هو المحن، الالتذاذ بالهزيمة، واستعذاب الانسحاق النفسي والوجداني والعاطفي، إنها الراية البيضاء أمام جيوش الزمن الزاحفة، ليس الزمن وحده، بل جيوش الرب والفرعون.

لم يجرؤ الفلاح الفصيح أن يثور على الفرعون عندما أحس بالظلم، ولكنه رفع شكواه إلى ربه والفرعون، أو إذا شئت فقل إلى الرب الفرعون.

الله الذي نعبده، نعبده بطريقة العبيد، لا العباد الأحرار، أيا كان ديننا، فالله هو رب الغلابة والطيبين، يلهمهم الصبر والسلوان، يؤنبون أنفسهم للتفاهات التي يقترفونها، من شرب البيرة والحشيش لمغازلة الفتيات وأحيانا لسماع الأغاني والاستمتاع بالمصيف، ولكنه لا يلهمهم الشجاعة، والتمرد ضد ما هو قبيح وفاسد ومستبد، وإذا حدث لنا شيئا خاطئا من فعلة الفرعون المستبد، أنبنا أنفسنا نحن، لا تمردنا عليه هو، فنحن لا نستحق كرم الرب وعطفه، ولا نستحق الكرامة والحرية والعدل.

حتى المحن تجده في تعبدنا لله كما لا تجده في مجال آخر في حياتنا نحن المصريين.

انظر إلى صورتك القديمة "طبعا إذا كان عمرك من 30 فما فوق" انظر جيدا إلى صورك التي التقطتها في الجامعة، حماستك، صدقك، براءتك، هل ينتميان إليك الآن، انظر إلى صورة الميادين في الثامن والعشرين من يناير، وما بعدها، هل تنتمي إلى ميادين مصر الآن، هذه الثورة التي لم تنادي بدين أو أيديولوجيا أو قومية معينة، فقط المباديء المطلقة المقدسة للإنسانية كلها: الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية.

انظر إلى المرآة جيدا، هذا الكرش، وهذه الدهون والتجاعيد، هذا الخرص المتفشي في الشارع المصري، والتوتر الأسود بينهم، ينتميان إليك الآن، ينتسبان لنا جميعنا الآن، أكيد في هذه اللحظة لن تقرأ مقالا لأحد يدعوك لحلم ما، أو تفاؤل بغد، بقدر ما ستنسجم مع مقالات وقصائد وأغاني وأفلام وروايات "المحن"، ستتناغم مع الأبطال الحالمين الذي يقسو عليهم الزمن والمجتمع، وينسحقوا تحت وطأتهم.

 

المصريون بعد الثلاثين .. بداية المعركة مع الزمن


بمجرد أن تنضج، أن تبلغ الثلاثين عاما، تبدأ معركتك مع الزمن، يحاول أن يغتال براءتك، ودهشتك، وإيمانك، وثوراتك الصغيرة، ولكن المصري قبل أن يبدأ معركته لديه استعداد نفسي لخسارتها، لذا يعيش شبابه بأكثر مما ينبغي، لا يقرأ بشكل جاد، أو يفكر في حياته بشكل جاد، أو يقيم علاقات جادة، كل شيء عابر وسطحي ومفتعل إلا قليلا، لأنه يعلم بمجرد أن ينضج سيتخلى عن هذا كله، وأوله صديقته التي أحبها، ليتزوج من المرأة التي اختارتها له أمه ويباركها أبوه.

الزمن والآلهة والفرعون إنه الثالوث الملعون في حياة المصريين.

 

فشل الثورات عرابي و25 يناير 

 

لم تنجح أي معركة في مصر ... لقد فشلت ثورة عرابي الأصيلة، ونجحت "ثورة" الضباط الأحرار، لقد فشلت ثورة يناير الأصيلة، ونجحت "ثورة" 30 يونيو، لقد خسرنا المعركة، ونجح العواجيز الذي كنا نهزأ منهم ونسخر، ونجح الإسلاميون بأفكارهم البلهاء التي كانت مثار الاشمئزاز والسخرية أيضا.

نعم نحن الآن بفضل النصف ثورة، والنصف خطوة،نعيش في ظل حكم استبدادي عسكري إسلامي فاشي، وزرعنا من الفتن بنصف ثورتنا ما أضرت بالعالم كله، حيث الإرهاب، وتراجع مستويات الحرية، وكثرة الانقلابات العسكرية، وعدم الاهتمام لا بحرية وكرامة الإنسان فقط، ولكن بروحه ودمه وعرضه.

 

نهر النيل أمل كبير 

 

ولكن ثمة أمل كبير .. شيء لا يتخيله معاوية أو السيسي أبدا، نعم قد يتخيل أن الشعب ثار عليه، وأسقطوه من رئاسته، أو فتشوا عنه في غرفة نومه وقضوا عليه، ولكن لا يخطر على باله أن نهر النيل سيجف، سيجف قريبا، وهو الشيء الذي أثار استغراب الغرب، فهم يحذرون كل سنة من أن النيل سيجف قريبا، وستصبح سعر قارورة الماء أغلى من علبة السجائر، ولا أحد يتحرك.

إنه شيء قابع في لا وعينا، النيل خالد ولن ينتهي، ولكنه سينتهي، وحينها ستنتهي كل العقد التي رباها فينا الإنسان المصري الأول، وسيتمرد الجيل القادم على هذا الثالوث الأسود الملعون: الزمن الآلهة والفرعون.

وعندها لن نعتمد على البيئة المحيطة بنا، سنخلقها، سنشكلها، سنفرض عليها حلمنا، لن نستسلم للزمن أو للفرعون، أو للآلهة بأكثر مما ينبغي.

وسيكفر المصريون بالثالوث الملعون: الزمن الآلهة الفرعون، وسيبارك هؤلاء الذين كفروا بالثالوث، سينصبون لهم التماثيل في الميادين، سيقرؤون كتبهم، ويتمثلون مواقفهم، ويعيدون كتابة التاريخ، مبارك كل من سبق عصره وزمنه واحتفظ بشبابه للسبعين رغم تحدي الزمن، وامتثل حالة الثورة في أجواء قمعية استبدادية، وآمن بحرية الإنسان وكرامته أيا كان دينه أو لغته رغم تكفير المشايخ والقساوسة، وتخوين الإعلاميين المعرضين.

إذا كان ثمة شيء إيجابي يمكن أن نفعله الآن، هو ألا نحافظ فقط على قيم وأخلاق وحالة ثورة يناير، ولكن أن نطور تلك الحالة، نكسبها بفكرنا وكتاباتنا واختياراتنا ومواقفنا نضجا وواقعية، في دائرة حياتنا الصغيرة، وليتمثل ذلك في كتب قد لا تلقى رواجا الآن، وأفلام لن يشاهدها إلا القلة القليلة، وبوستات قد لا تحوز على إعجابات كثيرة، ومواقف اجتماعية قد تثير سخط الأكثرية، ولكنه أفضل بكثير للأجيال القادمة، أن تجد شيئا إيجابيا تعتمد عليه، تطور عليه، حتى لا يضطروا أن يبدؤوا من الصفر.

أنا مؤمن كثيرا أن المؤمنين بثورة يناير قلة قليلة في هذا البلد، وهذا طبيعي بحكم التطور التاريخي لمسارنا، والعقد التي تربت فينا عبر آلاف السنين، ولكن ما يمكن أن يحدث، هو الاحتفاظ بحالتها، وإنضاجها، وبتحليل سلوكياتها واختياراتها ومواقفها، ومثيلاتها في العالم، حتى تأتي تلك اللحظة التي قد تكون قريبة جدا، أو بعيدة جدا جدا.


المحتوي بقلم احمد شهاب الدين

وجهة نظرك