1. Skip to Menu
  2. Skip to Content
  3. Skip to Footer>

الزمن .. البعد الغائب في ثقافة العرب والمسلمين

افكار عادية جدا

هناك شيء يمكن أن نسميه البعد الغائب في ثقافتنا العربية الإسلامية ألا وهو الزمن والوعي بما هو عابر ومؤقت ومتغير، ولعل غياب هذا الوعي هو الذي يغذي حركات أصولية مثل داعش والقاعدةMACBULLDOG OCT5 WEEKAHEAD POST01 ويشكل نافذة هروبية من الواقع ومشكلاته المعقدة، في التزام ديني تاريخي لا علاقة له بعصرنا.
 كان أجدادنا على علم وتقدير بالزمن، نجد علي بن أبي طالب يقول “إنهم ولدوا في زمان غير زماننا”، ومحمد يقول أنتم أدرى بشؤون دنياكم، وعمر بن الخطاب عطل بعض الآيات عندما اختلفت الظروف.
وأقر بحرمانية زواج المتعة محتجا بأن لهذا التشريع ظروفه، وما علم أسباب النزول إلا محاولة من رجال الدين لربط معاني الآيات القرآنية بمسبباتها، والتشريع بزمانه ومكانه.
ولكن كلما مر الزمن، اتخذت هذه المعاني التي تنتمي إلى العصور الغابرة شكلا مقدسا، وأصبغت بصبغات دينية، فأصبحت الأشكال الاجتماعية والقانونية المتعلقة بالبدو الذي نزل لهم القرآن مقدسة، لهذا تقام معارك عبثية حول أشكال تشريعية مثل قطع يد السارق، وقطع الرقبة كشكل تنفيذي لعقوبة الإعدام، إضافة إلى الجلد والرجم، والحجاب، والحكم على "المرتد" الذي يترك الإسلام.
أحد أهم المجالات التي تتجلى فيها بعد الزمن الغائب وهي اللغة، التي تغيرت دلالات البعض منها كثيرا، ولكن تمسك الكثير من أساتذتها بالبعد الزمني والتاريخي يفقدها ويفقد الناطقين بها مرونة التعبير عن معاني وقضايا عصرية بلغة العصر، خاصة أننا بتنا ننظر إلى اللغة باعتبارها ليست مجرد وعاء للمعاني، ولكن فيها تتشكل طريقة التفكير، والبيئة، وعلوم العصر وخيالاته.
في هذا الزمن الذي تحدث فيه الناس بالعربية كان جزءا من البيئة الصحراوية نسب كل الأشياء إلى عالم غيبي، فعندما يصفون شخصا بالنابغة يقولون عليه عبقري، هذه الكلمة التي تعني لنا الآن معنى نفسيا بعيدا عن الجن، ولكن الكلمة حينها كانت تعني أنه ممسوس من جني في وادي عبقر.
عندما ينزل الكتاب “السماوي” المقدس بلغة، هي بنت الصحراء والخيال الصحراوي، في وقت ساد فيه الجهل، وعندما مر الزمن تكلم بها أشخاص فارقون في عمن سبقوهم في العلوم والمعارف مثل العصر العباسي حيث نشطت الترجمة والفسلفة، هنا دخل المعتزلة والمتصوفة والفلاسفة.
أدخل معظم الفلاسفة القرآن في فلسفتهم، ولكنهم لفقر اللغة العربية وأهلها المتمسكون بزمانها، لجؤوا إلى التأويل، ابن رشد يحدثنا عن ضرورة التأويل إذا تعارض النقل “النص القرآني” مع العقل ولاحظوا هنا أن كلمة عقل ليس لها الدلالة الآن مثلما كانت في عصر ابن رشد، حيث العقل هو الملكة الشريفة التي تميز بشكل مطلق وصحيح بين الصائب والخطأ، أما كلمة عقل الآن يمكن أن نضع بدلا منها “التفكير السليم”، أو “المنطق”.
وتحدث المتصوفة أيضا عن ضرورة التأويل، والتأويل هنا حيلة عظيمة للهروب من البعد الغائب، فنجد التصوف اصطدموا بتجربة الحب بالقرآن، واعتبره عقلهم “ظاهر القرآن” الذي يتمسك به الفقهاء والمشايخ، وسموهم “أهل الرسوم” أي الشكليات، ولا حظ أن كلمة الرسوم الآن لا تعني الشكليات، فلها دلالات بعيدة مثل الغرامات، أو اللوحات.
وحول المتصوفة القرآن إلى تلاوة طربية، يتلوها غناء، بل إن البعض منهم كان يطرب للغناء أكثر من القرآن، وعندما يسأل في ذلك يقول أحدهم “لإن الشعر كلام البشر والبشر يطرب للبشر لأنه مثله”.
إن التأويل يعني أن تفرغ المفردة من معناها اللغوي والثقافي والاجتماعي، وتضعها في سياقك أنت، فنجد ابن عربي يفسر العذاب بالعذوبة مثلا، ويؤول الكثير إن لم يكن الكل.
إن التقديس للزمني العابر، وتوقيفه، كأنه شمس يستلهم منها القلب والعقل مواقفه وتأملاته، مثير للسخرية، فنجد مثلا رجلا يتحدث عن أن الإسلام أعظم الأديان ويعتبر كل من يترك الدين يقتل، وفي أفضل الأحوال عليه ألا يعبر عن رأيه، لأنه يسبب فتنة للمسلمين، مع أن وثيقة حقوق الإنسان التي يصفونها بـ”الوضعية” وهي كلمة تاريخية تعني أنه شيء وضعه البشر، ويضعون مفردة “وضعي” في مقابل “سماوي”.
لذا لا تثمر ثقافتنا سوى داعش، هذه الاستجابة السياسية لأناس يبدو أنهم لا يعيشون بيننا، فلنتأمل قليلا هذا المثال، إذا نظرنا إلى تاريخ “الفتوحات” الإسلامية نجد خالد بن الوليد وهو يفتح بلادا عراقية قام بذبح كل الأسرى، أمام مجرى نهر الفرات ليبث الرعب في قلوب أعدائه الفرس، إذا استشعرت أن هذا هو ما ينبغي أن يفعله المسلم مع أعدائه، في كل عصر، وإذا رأيت بيقينك هذا كل ما هو غير مسلم فهو عدوك، هو الفرس الذي حاربهم خالد قبل أكثر من ألف ومئات الأعوام، ماذا ستكون النتيجة؟ النتيجة أنك ستسبي نساء المناطق التي تحارب ضدها، كل الكفرة من يهود ومسيحيين وشيعة، وستفعل بالأسرى مثلما فعل قدوتك في أفعاله المطلقة مع أعدائه الفرس، هو أن تذبحهم.
ولن تتجاوز مناقشاتنا حينئذ وجوب تحكيم الشرع، وفرض الحجاب، دون الانتباه للقيمة الإنسانية المطلقة خلفهما، وكأن تلك الشرائع تسجن أصحابها أكثر مما تلهمهم بصيرة تجعلهم يرون الواقع أعمق وأفضل.
إن الكارثة عندما يكون هناك علماء غير متدينين، ومشايخ غير عالمين، نجد الشيخ سجين اللغة في لحظة زمنية قام بتعليبها وتصنيمها، ثم ينظر إلى النظريات العلمية بعينين ميتتين، وعقل ينخر فيه الدود.
وأحد أهم الأمثلة على الوعي التاريخي بالإسلام هو كتاب أبكار السفاق “الدين في شبه جزيرة العرب”، ونقرأ أن هناك أكثر من كعبة وأكثر من دين في زمن لا فرق فيه بين الأشياء وبعضها، بين الدين والسياسة والمواقف الاجتماعية والأخلاقية والطموحات السياسية والتجارية، إن هذا الخليط سلطت أبكار عليه الضوء بطريقة تجعلك مستوعبا بشكل شبه كامل اللحظة التاريخية العابرة لرسالة أراد لها أصحابها أن تكون مطلقة عابرة لكل زمان ومكان.
ومثال أيضا على الوعي التاريخي بالحديث مثلا نجد الكتاب الرائع لجمال البنا “نحو فقه جديد” وهو يتحدث عن الأحاديث، ووعي الفقهاء الزمني بصحته، وكيف جاء كل جيل وفند من الجيل الذي قبله بلا قداسة، والظروف الاجتماعية والسياسية التي جمعت فيها الأحاديث.
ولا نستطيع أن نتحدث عن هذا البعد الغائب في الثقافة الإسلامية والعربية، غير الحديث عن المشايخ، إن لم يكن الدافع هو الحق والحقيقية، والغاية رضا الله، وباتت الدوافع المنصب الاجتماعي والمادة، حينها تتحول الدين إلى سلطة في يد الشيخ، وحينها سيصنم الشيخ الواقع، ويلون اللحظة العابرة التي علبها مما يجعلها قريبة من يوتيوبيا مستلهمة من تعلقه بالسلطة، ويتحول الدين إلى أداة في يد الحاكم، “لا حظ أن كلمة حاكم في التراث اختلفت دلالاتها السياسية الآن” حينها سيكون الدعوة إلى التجديد، وانفتاح المقدس الزمني على اللحظة الحاضرة بطزاجتها وتغيراتها الحيوية، هي دعوة سياسية أيضا لتقويض سلطة الرئيس أو الملك الفاسد.
لا حظ أن أجدادنا لم يكونوا يقولون حاكم فاسد ولكن خليفة ظالم، ويصفون سلوك بني أمية بـ”مظالم بني أمية” ويصفون عمر بن عبد العزيز بالخليفة العادل، أو الحكم الرشيد، أي أن لغتهم لم تكن تستوعب بالطبع التعقيدات السياسية، وأن الحكم الأمثل في نظرهم هو العدل، ولا بأس بالشكل الملكي للخلافة، ولم يخطر على بالهم فكرة تداول السلطة، ولا النقابات والجمعيات الأهلية، ولا طرق المعارضة السلمية كالتصويت والانتخابات كحق إنساني لكل شخص.
لذا لا تندهش عندما يتحدث شيخ عن الخروج عن الحاكم بالطريقة التي تحدث فيها أجدادنا، بأنه فتنة وخروج عن الجماعة، لأن كلمة “فتنة” و “جماعة” كانت لها دلالات مختلفة في الماضي.
لذا وجب التنبيه أن البعد الغائب مفيد جدا للحكام الفاسدون والسلطات المستبدة والجاهلة، لأن التاريخ يمكن أن يبرر كل ما يقومون به من رذائل، ويهدد كل من يفكر بالتمرد عليهم أو المطالبة بحقوقهم.
وليس أكثر سخرية من سجن أناس الله أعطاهم حرية أن يختاروا بين الإيمان به أو الكفر به، ولكن الداعون إليه المسجونون في ألف وخمسمائة عام مضت يسجنونه ثم يتحدثون عن سماحة الإسلام.
لذا وجب التنويه أنه في عصر نظريات التطور والانفجار الكبير والكوانتم يبدو أن لغتنا لم تستوعب بعد تلك العلوم ولم تهضمها، بل على العكس لاتزال سجينة لحظة ساد فيها الخيل والسيف والجمال والغبار


المحتوي بقلم احمد شهاب الدين

وجهة نظرك