1. Skip to Menu
  2. Skip to Content
  3. Skip to Footer>

النخبة البريطانية فشلت في تدجين المهمشين

افكار عادية جدا

brexitاختار سكان المناطق المهمشة والمحرومة في بريطانيا شبابا وعواجيز الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، ومعهم عواجيز العاصمة، ويبدو أنهم أغلبية ضئيلة ككتلة تصويتية، بينما رفض رجال الأعمال ونشطاء حقوق الإنسان والسياسيين والمثقفين وسكان العاصمة والمناطق الراقية الانفصال.
هذا الحدث تاريخي بامتياز له تأثير على كل دول العالم وشعوبها بلا استثناء، واعتبره انطلاقة لموجة ثورية ثانية بعد ثورات الربيع العربي وحركات “احتلوا” في عواصم الدول الرأسمالية والجنوب الأوروبي


يجسد هذا الحدث “انفصال بريطانيا باستفتاء شعبي” انفصال النخب عن قطاعات هي الأكبر من الشعب، وفشل عملية تدجين تلك القطاعات عبر الإعلام والسوشيال ميديا والحملات التي تقودها الأحزاب السياسية في الشارع.
تقوم الديمقراطيات الغربية أو على حد وصف الكاتب العربي عبد الرحمن الكواكبي “الاستبداد الناعم” على أساسيات بدأت تتآكل مؤخرا، منها منطلقات نظرية وآليات في تكييف مزاج الشعب لصالح أصحاب الثروات “أو الواحد في المائة” التي تنتقي “النخبة” من المحللين السياسيين والنجوم والمثقفين.
فلسفة الديمقراطية تمنح سلطة لكيان هلامي صعب الإمساك به يسمى “الشعب”، فلابد أن يصوت على معظم القرارات السياسية خاصة تلك التي تحدد مسارها، قامت النخبة الرأسمالية بتفكيك أي تكتل بعيد عن مصالحهم، وعلى رأسها النقابات العمالية.
يعطينا كتاب مستر روبرتس “نهاية الاحتجاج: كيف تعلمت رأسمالية السوق الحرة السيطرة على المعارضة”، لمحة عميقة حول تقويض الرأسماليين للحراك الاجتماعي عبر ثلاثة آليات: خلق أتباع لهم في صفوف الشرطة، تدمير الحراك العمالي، اختلاق إدارة لحل الأزمات الخاصة بالعمال.
من جهة أخرى يجسد هذا الحدث فشل عملية التدجين، لا يوجد تنوع في الصحف والميديا البريطانية والأمريكية، خاصة فيما يتعلق بمصالح الاقتصاديين المباشرة، فلا يوجد أدنى اهتمام بمناطق بعيدة عن اسكتلندا وبريطانيا، أو تحقيقات موسعة في طريقة التوظيف وتأثير البطالة، والقيم الأخلاقية والثقافية للسكان البعيدين عن العاصمة.

 

انعزال النخبة عن المهمشين

 

هنا تظهر النخبة الثقافية والاقتصادية منعزلة عن الناس، وهو ما لفت نظر أحد أهم النشطاء في حركات “احتلوا” مايكل وايت حيث أصر أن الرهان ينبغي أن يكون على المناطق المهمشة، وعلق آمالا كبيرة في قدرتهم على إحداث تغيير جذري في المنظومة الاقتصادية والسياسية للدول الغربية.
لقد خلقت الصحافة والسوشيال ميديا اتجاها عاما يوحي بالإجماع على ضرورة عدم فصل بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، وتلقفته وسائل الإعلام العربية الجاهلة والتابعة للنخب البريطانية والأمريكية بدافع من عقد النقص.
لقد فشلت كل وسائل الديمقراطية الحديثة في تدجين الناس مثل: الإعلام، النخبة، السوشيال ميديا، ضرب المعارضة المنظمة، وأخفقوا في دفع الناس على أن تقول نعم للاتحاد الأوروبي.
كتب إيان جاك المحلل السياسي في الجارديان مقالا ربط فيه بين إهمال النخبة لبعض قطاعات الشعب، وعدم الاستماع إلى شكواهم، وبين تصويتهم بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
يقول الكاتب مقتبسا من الفيلسون الأمريكي مايكل ساندل أن معظم الناس خارج اسكتلندا ولندن مهمشون، ليس فقط يشعرون أن الاقتصاد تركهم خلفه، ولكن الثقافة أيضا.
تعالوا نتأمل كلمات هذا الفيلسوف: مصادر كرامتهم، كرامة العمال تتآكل ويتم السخرية بها عبر العولمة، وصعود التمويل، والاهتمام الزائد الذي توليه الاحزاب عبر ألوان الطيف السياسي على النخب الاقتصادية والتمويلية.
يرى ساندر أن العديد من العوامل حركت الاستفتاء إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي وعلى رأسها مولد “نخبة فاشلة”.
يتساءل إيان كاتب المقال حول بداية الفشل في بريطانيا على وجه التحديد؟ يشير مؤرخ اقتصادي إلى أواخر القرن التاسع عشر عندما هزمت ألمانيا بريطانيا في الأبحاث الكيميائية والتعليم التكنولوجي، واستطاعوا مع أمريكا تبديل بريطانيا باعتبارها القوة الصناعية المتفوقة.
وغطى إيان كصحفي في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم قصصا خبرية عن إغلاق المصانع، وبدأت في الثمانينات تظهر أحداث عشوائية تراكمت لتصبح ما يعرف الآن بانحلال الصناعة، ولم توقف الحكومة البريطانية ذلك.
تأثير ذلك كما يراه إيان “مذهلا” على بريطانيا، فمقارنة بازدهار العواصم الإقليمية في الصناعات والوظائف باتت المناطق النائية خالية من الحياة، وفقيرة، وأسقطتها بريطانيا من وعيها، ولا يذكرها الإعلام إلا إذا جاء فريق كرة قدم، أو حدثت جريمة “انتهى عرضنا لأفكار مقال الجارديان”.

 

تلاعب الإعلام واستطلاعات الرأي الغربية


يوجد تلاعب ما وتوجيه ما في استطلاعات الرأي في بريطانيا، وقد أشارت إحداها إلى أن جيل الآباء صوت بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي بينما الشباب قالوا نعم للبقاء في الاتحاد الأوروبي.
ولكن تلك الاستفتاءات لم توضح المناطق السكنية التي يقطنها الشباب، ودرجة تعليمهم، إضافة إلى فروقات أخرى لاتظهرها استطلاعات الرأي.
ما هو غائب عن التحليلات في الإعلام البريطاني نتيجة لوجود نخبة متعلمة جيدا ومرتبطة سواء عائليا أو نفعيا بالنخبة الرأسمالية هو تلك الارتباطات الشرطة الغريبة عن الثقافة الغربية.
باتت قيم الانفتاح على العالم والاتحاد الأوروبي مرتبطة شرطيا بالشركات العابرة للقارات التي تركز لتبعية دولة كبريطانيا إلى ألمانيا أو إلى الولايات المتحدة، وتقتل فرص وجود شركات وصناعات ثقيلة مستقلة عن تدفق المال الخارجي، وجود فرص جيدة للسفر أو العمل لدى الشباب المتعلمين جيدا ومعظمهم من ذوي الدخول المرتفعة، وبين قيم الليبرالية الحديثة من احترام الخصوصية الفكرة، والحريات، وحقوق الإنسان، والمساواة، ووجود ارتباطات أخرى بين المهمشين أصحاب التعليم المنخفض، وذوي الدخل المنخفض، والمناطق المهمشة وبين اليمينية والشعبوية والتشدد الديني.
وداعش والقاعدة ليسوا بعيدا عن ذلك، فأفكارهم تلقى رواجا في السجون الفرنسية، وضواحي باريس، حيث يشترك عامل الهجرة والثقافة والمزاج الغاضب من النظام مع عامل ديني وثقافي.
أين ذهب اليسار الأوروبي والأمريكي في تسليط الضوء على تلك الفجوة بين العواصم والعواصم الاقليمية وبين بقية المدن، بين الأغنياء جدا المتعلمين جدا، والفقراء غير المتعلمين جيدا، إنها عملية طويلة ستناولها بمقالات لاحقة من التهميش والإغراء وزرع مشتتات الانتباه نجحت على امتداد عقود طويلة، ولكنها اليوم تبدأ عليها أمارات الفشل.

 

 

أخلاقيات ليبرالية الشركات الكبرى

لقد نجحت الحضارة الغربية بأخلاقياتها التي فرضتها الشركات الكبرى والنخبة الداعمة لهم أن تقوض العديد من الدوافع الإنسانية، للبحث عن الحقيقة والمعرفة، المشاركة الإنسانية، الشعور بالانتماء الوطني والإنساني، واستطاعت أن تدجن قيم أخرى مثل الحريات الفردية، وحقوق الإنسان، ونشاطات المجتمع المدني، حتى باتت تلك المشاعر والصفات الإنسانية قيم طبقية تميز أصحاب الثروات والتعليم الجيد عن غيرهم، بقدر ما هي تقرب تلك الفئات من بعضها كما ينبغي أن تكون.
لا ينبغي إلقاء اللوم على الفقراء والعواجيز في نتيجة الاستفتاء، ولا على جيريمي كوربين قائد حزب العمال باعتباره فشل في عملية “تدجين” هؤلاء بحملاته الدعائية، بقدر ما نرى أن اللائمة تقع بشكل أكبر على تلك النخب المثقفة المتعلمة التي تنادي في الإعلام والسوشيال ميديا بقيم الانفتاح والمساواة بينما تقبض رواتب تلك الدعوات من رجال أعمال وشركات تكرس لانعدام كبير للمساواة، ولتبعية الدول الكبيرة للأكبر، والصغيرة للكبيرة.
كلما قل تعليم المرء وانخفضت مستوى معيشته كلما كان قدرة عقله على إدراك الأمور المعقدة أصعب، وكلما تحكمت دوافع غريزية وماضوية في حركته أكثر، ولعل المهمشون في أوروبا يستريحون لليمين المتطرف الإسلامي والمسيحي والشعبوي أكثر، تماما مثلما ينجذب فقراء مصر والدول العربية إلى الجهاد والإخوان أكثر من الأفكار اليسارية “التقدمية” التي يتبناها من يتلقون أموالهم من السلطة المتسببة في إفقارهم.
وبداية شرارة الأمل كانت في انطلاقة ثورة الخامس والعشرين من يناير التي أعقبها حراك شبابي يصب الغضب في اتجاهه الصحيح، وعلى شاكلتها تشكلت حركات احتلوا في معظم الدول الأوروبية وفي أمريكا، وبعد فشل تلك الحركات في إحداث التغيير، عول نشطاء على المناطق المهمشة في إحداث تغيير شامل، نظرا لضعف إحكام قبضة السلطة المركزية على تلك المناطق، والسخط المتزايد لسكانها من المركز، ونظرا للتغيير الكبير الذي ستحدثه إذا ما طالبت بحقوقها الديمقراطية في الانفصال أو عدم تبعيتها الاقتصادية للمركز، خاصة بعد تقويض الحركة العمالية أو تقليم أظافرها.


المحتوي بقلم احمد شهاب الدين

وجهة نظرك