1. Skip to Menu
  2. Skip to Content
  3. Skip to Footer>

ع "مدى مصر": رود ريجيز والشيخ إمام ونموج غناء محتمل للألفية الثالثة

افكار عادية جدا

rodriguez 23في كتابه «المثقف والسلطة» حاول المفكر الفلسطيني الأصل إدوارد سعيد بلورة مفهوم لما أطلق عليه «المثقف المنفي». واﻵن، مع فقدان المؤسسات الكبرى والأنظمة السيطرة المحكمة على مزاج الناس، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وأطروحات الاقتصاد البديل القائم على المشاركة الجماعية التي تعد بها التكنولوجيا، بعد ثورات الربيع العربي وحركات «احتلوا» في شوارع الدول الرأسمالية قد تتوفر البنية التحتية الملائمة لهذا المثقف المنفي كما عبر عنه سعيد، والذي لا يستهدف الاعتراف والشهرة والجوائز التي تحتكر معظمها أنظمة فاسدة، على غرار غيره من المثقفين، وإنما يتطلع لحياة مليئة بالزخم، ويتبنى موقفًا أخلاقيًا شاعريًا رافضًا للقبح والفساد الذي يحول حياة الناس على الأرض إلى جحيم، فتصبح مكافأة المثقف هي حياته بما فيها من ثراء.

في هذا السياق اخترنا تجربتين تعبران عن فكرة «المثقف المنفي»، وهما تجربة الشيخ إمام رائد الغناء التعبيري والسخرية السياسية والاجتماعية في مصر، وتجربة رودريجيز المغني الأمريكي مكسيكي الأصل، الشهير بأغانيه التي تمجد الشارع والتمرد وتنتقد نمط الحياة الحديثة.

تمثل هاتان التجربتان نموذجًا فريدًا وسباقًا لنمط يبدو أنه سيكون السائد في الألفية الثالثة، ويحملان وعود التغيرات التي تحملها الألفية الجديدة، ولكن يمايز بينهما ما يميز الثقافة الأمريكية العصرية والمركزية والمتحررة من تابوهات الماضي، والمنفتحة على روح التجريب، عن الثقافة المصرية بارتباطها بالأرض، وقيودها الثقافية والأخلاقية العتيقة.

يشترك الاثنان في نشأتهما في بلاد تعاني القهر والفقر، حيث ولد الشيخ إمام في قرية أبو النمرس في الجيزة، ثم سافر إلى القاهرة، وعانى العزلة في بداية حياته الفنية، حتى التقى بأحمد فؤاد نجم، وغنيا في حي الغورية، بينما انحدر رودريجيز من أبوين مكسيكيين مهاجرين، وعانى مع أهله، ومع الكثير من أبناء الجالية المكسيكية، ويلات الفقر والإهمال في متشيجان بالولايات المتحدة الأمريكية.

قدم رودريجيز، المولود عام 1942 ولا يزال حيًا حتى الآن، ألبومين؛ أولهما «أولد فاكتس»سنة 1970، والثاني «كامينج فروم ريالتي» 1972، وعمل مع أكبر المنتجين في صناعة الموسيقى، وسجل أغانيه في تسجيلات موتاون، الشركة ذات الطابع الخاص في التسجيلات والتي تأسست 1959. ولم يحقق الألبومان نجاحًا يُذكر في الولايات المتحدة، إلى الدرجة التي اعتزل معها الغناء وعمل بنّاءً، وهي مأساة عانى منها الكثير من أبناء جيله الأمريكيين، في ما يسميه عالم الاجتماع الأمريكي سي رايت ميلز «المثقف المستقل»، الذي وصفه بأنه يواجه «نوعًا من الإحساس بالقنوط والعجز بسبب هامشيته»، وفي النهاية «يختار الانخراط في سلك المؤسسات والشركات والحكومات كعضو في مجموعات صغيرة نسبيًا».

النجاح خارج البلد

ولكن ألبومات رودريجز انتقلت إلى جنوب أفريقيا، وتدوولت هناك على نطاق واسع. وكما عرض الفيلم الوثائقي «البحث عن رجل السكر»، للمخرج السويدي من أصل سوري مالك بن جلول، فقد أصبح رودريجيز المغني الأكثر مبيعًا في سبعينيات القرن المنصرم في جنوب أفريقيا، وسخرت صحيفة أمريكية من نجاحه هناك، فأفردت عنوانًا «في أمريكا رودريجز زيرو، وفي جنوب أفريقيا «هيرو»». وكما أظهر الفيلم، فإن أغانيه يسمعها المرء في جنوب أفريقيا وهو يستقل التاكسي، أو يشرب كأسًا في حانة، أو يمر مرورًا عابرًا على المحلات. الجميع في جنوب أفريقيا متيمون بأغانيه. وبسبب اختفائه وعمله في البناء، أخرجت المخيلة الجماعية هناك إشاعات حول ماهيته، وأكثرها شيوعًا أنه هندي أحمر غنى على المسرح مرة ثم أحرق نفسه انتحارًا، ولولا علاقة ابنته بالإنترنت والاتصالات لما عرف أحد أن رودريجيز حيٌ يرزق ويعمل في مواد البناء.

في المقابل ذاعت تجربة الشيخ إمام خارج مصر، وبالأخص في سوريا وتونس، والناظر إلى الحفلات التي أقيمت للشيخ إمام خارج بلاده تمكنه ملاحظة الفرق بين جمهور صغير يدندن في حجرات الأحياء العتيقة في مصر، بينما لا يعرف عوام الناس عنه شيئًا خارج تلك الجدران، وبين المسارح الكبيرة في سوريا وتونس، والإقبال الجماهيري الواسع عليه هناك.

تجربة الثورة

احتلت أغاني كل من رودريجز والشيخ إمام ورودريجيز الميادين الثائرة، الأول في الميادين العامة بجنوب أفريقيا في منتصف العقد السادس من القرن الماضي خلال الانتفاضات ضد الفصل العنصري، وكأن مجرد ترديد تلك الأغاني في الميادين هو المكافأة التي تحدث عنها إدوارد سعيد.

أصدرت حكومة جنوب أفريقيا قرارًا رسميًا بمنع أغاني رودريجيز، بسبب محتواها الداعي إلى شرب المخدرات والثورة على النظام الاجتماعي، وقالت مسؤولة في حكومة جنوب أفريقيا في الفيلم إن أغاني مثل «رجل السكر» لم تكن لتسمح بها السلطات لأنها غير أخلاقية وتدعو إلى الانحلال.

وفي المقابل فقد ذاعت أغاني الشيخ إمام في ميادين الثورة، وكأنها غُنت لها، ليحقق إمام ما أطلق عليه «التواصل الفعال» مع الناس، الذي تحتكره السلطة بتنظيماتها ومؤسساتها الكبرى، ويقف، مثله مثل رودريجيز، «بين الإحساس بالعزلة والاصطفاف مع الناس»، وفق تعبيرات إدوارد سعيد.

تباينات الثقافة

استغل كل من إمام ورودريجيز تراثهما وتفاصيل الأماكن التي عاشا فيها، بل وطريقة الأداء من الثقافة الشعبية في بلديهما، فالشيخ إمام استغل البيئة ووظفها لخدمة معانيه الوطنية في أغنية مثل «بقرة حاحا»، حيث تمثل البقرة كائنًا مهمًا للفلاح المصري، ورُمز بها في الأغنية لبيع الوطن من قبل النظام، ونجد في «يا غربة روحي روحي» مفردات البيئة مثل الحنة والجنينة والفلاح، بالإضافة لأغنية أخرى غناها لحي الغورية بإرثه المناضل والأليم «حارة حوش آدم»، وفي أغنية «الله حي» استبطن روح الحضرة والإرث الصوفي مع التوظيف السياسي لهما، ولا ننسى أن الأداء التعبيري الساخر للشيخ إمام يجسد طريقة أدائية شائعة في سخرية المصريين.

ويعكس الشيخ إمام ثقافة عموم المصريين الذين يرون مظاهر الثراء أمامهم، ويعجزون عن التمتع بالحد الأدنى منه، فيجسد هذا في مشهد حسي كتبه نجيب شهاب الدين، وأداء تعبيري ساخر وممحون، أجاده كما أجاده نظيره الجنوب أفريقي: «سايس حصانك ع القنا و تعالى، تلقى القُليلة مبخرة و ملانة، الصدر مرمر و النهود عريانة، مديت ايدي على النهود اتفرج، نطرت دراعي.. يا دراعي يا أنا».

وحتى بينما يستخدم الشيخ إمام الأغاني الشعبية لفلاحي مصر، فهو يحرص على تضمينها بمعان سياسية واجتماعية. فالأغنية التي تبدأ بصورة ريفية للفتيات وهن يملأن المياه ويغنين: «البحر بيضحك ليه وأنا نازلة اتدلع املا القلل»، سرعان ما تتحول لنداء للوطن: «بيني وبينك سور ورا سور، وانا لا مارد ولا عصفور».

ربما كان ما دفع الشيخ إمام للجوء للرمز هو هيمنة المحافظة على الثقافة المصرية. فلم يتناول قيم إنسانية مطلقة مستلهمة من تفاصيل حياة حميمية ومعاصرة منفتحة على التمرد والجنس وتناول المخدرات مثلما فعل رودريجيز.

ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن الولايات المتحدة دولة عصرية وحديثة المنشأ، فنجد اختيار الأماكن لدى رودريجيز يعكس تجارب شخصية أو حياتية عامة للأمريكيين؛ في أغنية «كوس»

التي غناها بعد مرور أسبوعين على فشل ألبومه الأول، تتردد مفردات خاصة بثقافتهم مثل المجلة الجنسية الشهيرة «بلاي بوي»، كما نسمعه يتحدث عن حانة سيور التي يتردد عليها، منتقدًا عادة الأمريكيين في الشرب كل يوم أحد حتى «يغرقوا الشمس».

تجربة أوسع

كان رودريجيز ذكيًا في التقاط ملامح الثورة الاجتماعية ضد النظام العالمي، أخلاقيًا وسياسيًا واجتماعيًا، عبر تفاصيل حياتية لأشخاص عاديين، ما جعل تجربته أوسع من نظيره المصري، حيث تناول سلوكيات متمردة لبشر يشربون المخدرات، ويرفضون النزعة الاستهلاكية، بشر يدمنون الشوارع، ويرفضون «الجلوس في البيت»، و «يبحثون عمن يفهمهم»، كما في أغنية «صبي الشوارع»، وكأنه يرسم ملامح سلوك الجماعات التي تثير الغضب ضد النظام الأمريكي والعالمي الآن، الشباب الأنجلوسكسوني الرافض للانخراط في منظومة العمل والزواج في المدن البريطانية البعيدة عن العاصمة، وشباب حركات«احتلوا» و«ربيع الديمقراطية» في أمريكا، أو حركة «حياة السود مهمة» الأمريكية، أو شباب وسط البلد في القاهرة، ما جعل أغانيه تلقى رواجًا كبيرًا بين نشطاء «احتلوا وول ستريت» وربيع الديمقراطية في أمريكا، كما تقرّب بين أبناء الشعب الجنوب أفريقي أثناء مناهضتهم الرافضة للفصل العنصري بين البيض والسود.

وفي مقابل الشيخ إمام الذي لم يغن للحشيش، فقد كان رودريجز سبّاقًا في اكتشاف الاحتمالات الجمالية التي تفجرها بعض العقاقير، وعلى رأسها الـ«إل إس دي»، من ناحية الإحساس بالموسيقى، حيث تبنَّى بعض الإيقاعات التي تتجاوب مع متعاطي العقار، ومن أشهر أغانيه هنا أغنية «رجل السكر» والتي تدور عن الديلر، تاجر المخدرات الذي يحمل«رقائق فضية وكوكايين وماريجوانا حلوة».

بصوته الحلو، يحول رودريجيز انتظاره للديلر إلى انتظار للولي، يقول له بصوت مائع: «يا رجل السكر، ماذا لديك؟ لقد سأمت مما أرى، من أجل العملة الزرقاء، ردَّها إلي، هذه الألوان لأحلامي، أنت تحمل الرقائق الفضية الساحرة، جامبوز كوك ماريجوانا حلوة». ويضيف: «أنت الإجابة. عندما تظهر تختفي جميع الأسئلة». تتردد تلك الكلمات في بلاد كانت تغلِّظ حينها العقوبة على حاملي المخدرات ومتعاطيها ومروجيها، إضافة إلى الإدانة الأخلاقية والاجتماعية.

تشير جملة «لوّن لي أحلامي» إلى تأثير عقار الـ«إل إس دي». وأحد تأثيراته هو تحويل الواقع إلى ألوان مبهجة وحادة. حتى أن الحكومة الأمريكية ادعت أن رفض الجنود للحرب في فيتنام، والتظاهرات المعارضة لها، قد ثارت بناء على تأثير العقار، كما يشير فيلم وثائقي لـ«ناشيونال جيوجرافيك»، وطالبت المخابرات الأمريكية بحظره باعتباره مفسدًا للتكيف الاجتماعي.

يُذكر أن أبرز فناني الروك التقدمي أدمنوا العقار، وعلى رأسهم سيد باريت مؤسس بينك فلويد، وغنت له فرقة البيتلز الشهيرة أغنية «غد لن نعرفه»، كما غنى له بوب ديلان، الحائز على نوبل في الأدب مؤخرًا، أغنية «تامبورين مان»، وأقر بتعاطيه فنانون آخرون في مجالات أخرى، مثل ستيف جوبز مؤسس شركة «آبل»، وقائد ثورة الكوميكس آلان مور، مؤلف «في فور فانديتا». ومؤخرًا اتهمت الممثلة شارون ستون المرشح السياسي الديمقراطي المكروه من رجال وول ستريت برني ساندر، بأنه كثيرًا ما تعاطى هذا العقار الذي لا يزال محظورًا في الولايات المتحدة.

يتبنى رودريجيز صوتا يشع بهجة وفرحًا ممزوجين بسخرية مرة، يتساءل في أغنية أخرى«أتساءل»: «ثم ماذا؟ كم مرة مارستُ فيها الحب؟ أتساءل من ستكون التالية؟ أتساءل عن الدموع في عيون الأطفال والرجال القتلى، أتساءل متى تنتهي الكراهية؟»

تحمل تلك الموسيقى إيقاعًا خاصًا موجهًا لمتعاطي عقار الإل إس دي «الأسيد»، حيث تتحول الدقائق القليلة في أغنية «أتساءل» إلى عمر مديد، ويتجسد فيها الصوت الأنثوي، ويتردد الإيقاع المتسلسل وكأنه يعزف على قلب المستمع إلى ما لانهاية، كل هذا مع انتقاد النزعة الاستهلاكية عند المجتمع الأمريكي، الذي يحول خبرات الحياة إلى استهلاك يفرغها من معناها.

في المقابل لم يذكر الشيخ إمام الحشيش ولم يورد مفردات السكْر إلا قليلًا، وأحيانًا في سياق مدان. فإلى جانب إدانته للخمارات التي تُبنى «جنب المصانع» في «شيد قصورك»، نجده في أغنية «الأديب الأدباتي» يقول: «والسامر مساطيل»، ويمتثل أحيانًا للثقافة الشائعة فنجده يورد السكْر وكأنه إحساس بالشبع بعد الجوع، مثلما في موال «الفول واللحمة»، والذي يغني فيه «لحمة نباتي ولا في الحاتي، تاكل قدرة تعيش مسطول».

في النهاية، نجد الشيخ إمام حبيسًا للنزعة الشوفينية المصرية في الأغاني الأكثر مباشرة وتسيّسًا له، فيغني للوطن ويقدّسه. وهي نزعة بدأت تندحر في العالم منذ السبعينيات، والتي غنى فيها الشيخ إمام «مصر يامة يا بهية يا أم طرحة وجلابية». إضافة إلى الاستغراق في الأغاني السياسية الصِرف المرتبطة بحدث آني مثل «شرفت يا نيكسون بابا»، ومن جهة أخرى تقوم تلك المباشرة بدور إعلامي ثوري في تفنيد الروايات السياسية الرسمية، أو كما أطلق عليها ميلز «كشف القناع»، في وصفه لـ«المثقف المستقل».

يقول رودريجيز، وهو يبلغ من العمر الستين ونيف، في حفل مسجل: «سأعيش حتى أموت»، ملخصًا موقف أي فنان أو مغني أو كاتب، أو بالأحرى الموقف الذي يجب أن يتبناه الإنسان في مواجهة القبح والفساد والتعصب التي تحاول الأنظمة المتهاوية زرعها في الشعوب التي تحاول استعبادها، يقول هذا ويرسم بصوته الطريق الذي تخيله إدوارد سعيد للمثقف كما ينبغي، هاويًا، وشاعريًا، ومنفيًا.

المقال منشور بقلم المدون أحمد شهاب الدين على مدى مصر 

 


المحتوي بقلم احمد شهاب الدين

وجهة نظرك