1. Skip to Menu
  2. Skip to Content
  3. Skip to Footer>

ضحكة الحاجة زينب

قصص عاديه

1743742a c872 4252 8e7d a6930320db50 16x9 600x338 400x225وقفت الفتاة الجامعية ابنة العقيد أمامه مبهورة، شاب في الأربعين ربيعا يبيع زيت وسكر ومخلل، الجو رمادي مائل للبياض كقطعة ثلج عتيقة، حمامات بيضاء ضائعة في السماء أحست بها دون أن تشعر، ومواء قطتين حديثتي المولد على الأرض أمام المحل، تتأمل كل بادرة حركة منه، فمه على وشك رسم ابتسامة طوال الوقت، ينتهي من الزبونة، ينظر إليها، تلعب النسمات بخصلات شعرها وجيبتها، وشعيرة صغيرة  ترتعش في منتصف ساقها الأيمن، استرعت انتباه يوسف، ارتعشت من مجهول لذيذ ومخيف، نظر إلى الخصيلة في منتصف ساقها وضحك ضحكة خفيفة، ورد بصره إلى صدرها ووجهها ولمعة في عينيها.

"إزيك يا أستاذ يوسف"

يفرق يوسف بين الناس بالكلمة التي ينادونه بها أستاذ وحاج، أهل الحي ينادونه بحاج يوسف، والشباب والفتيات المعجبات به على يوتيوب ينادونه بأستاذ، ابتسم يوسف ابتسامة مسموعة.

"سبحان الله"

نطق بها قلبه، رأى امرأة جميلة المظهر، الكرف، الصدر الممتليء بالشهوة، الفخذان المتباعدان، خصيلة ساقها المرتعشة للنسائم الباردة، هذا التكوين البديع لا يتناسب مع اللمعة في عينيها التي يعرفها جيدا.

اقتربت منه، صافحته، وعيناها على عينيه، كانت تشعر أنها أمام معجزة، عينين ممتلئتين بالعشق والشغف، لم تكن تدرك معنى تلك الكلمتين حتى وهي تغرق في عينيه، ولكنها شعرت بلمعة مدهشة، وغريبة على مشاعرها، أصاب عقلها بدوار لذيذ، ضحكت الفتاة، ضحكت أعلى، أحست بأنها تهذي، أخرجت منديلها، مسحت دموع فرحتها.

"سبحان الله يا أستاذ، انت مبسوط"

قالتها وعينها على المحل المتواضع، بسط ذراعيه، قوسها وكفاه لأعلى، كأنه يقول "لا أعلم\أنا مبسوط" ثم ضحك ضحكة خفيفة.

"لأ"

ضحكا بهستيرية

……...

جلس المقدم في المخابرات العامة إبراهيم باشا أمام اللاب توب ينظر إلى الفيديو على يوتيوب، ووجهه ممتعض، إنه مكلف بمراقبته منذ مدة، ماذا يريد هذا الشاب العجوز، اللعنة على باسم يوسف، اللعنة على تلك الهوجة التي تجعل كل هؤلاء الرعاع يشعرون بأن لهم قيمة.

ينظر إلى وجهه، غريبة تلك الملامح، بشرته لا تحمل تجاعيد الإجهاد والضغط الذي يصاب الناس جراء اللهاث خلف احتياجاتهم في الصغر، ومطاردة خوفهم من الفقر بالتملك في الكبر، تقول الحسابات أنه فقير للغاية، ربما يأكل القليل للغاية، لا زوجة لا أولاد، فقط شلة يسمون أنفسهم "المرابطين" ثلاثة شباب عواطلية، اثنان منهم يبتزان أهاليهم بالقليل من المال ليشربوا الحشيش، وفتحية إذا أمكن، تلك العاهرة الفاشلة، ولكن يوسف لم يقترب منها قط، لقد وقع في هيام امرأة تجاوزت الستين.

"بعيد عن الضغوط، والقلق، والإحباط، والطموح، والحلم، واليأس، الحياة هي اللحظة اللي انت بتسمعني بيها دلوقتي، اللعنة على المدارس والمعابد والمصانع وأماكن العمل، اللعنة على الجيوش، والمال"

تنهد، لم يفهمه الضابط، رجل يبتسم ويلعن كل شيء فقط لأجل اللاشيء، وهذا كان مصدر انزعاجه وخوفه، لم يعرف في حياته معنى للمجهول، شاب يهذي بكلمات بالية لا معنى لها، كأنه معتوه، والناس تتابعه، يتركون أعمالهم، ويدمنون الصعلكة، والسرقة، وإدمان المخدرات، نعم ليس لدى الدولة وظائف للجميع ولكن الأمر فاق الحد، حتى وصل الأمر إلى بيوت قيادات الداخلية، العقيد عمر مكرم تركت ابنته البيت، فجأة، وعندما بحث في جهازها، وجد أنها شاهدت هذا الفيديو كل يوم وكل ليلة منذ أشهر، وشيرته على الفيس وتويتر ولينكيد إن، بعدها أمر فريقا بالتحقيق في أمر هذا الشاب، وتولى المقدم إبراهيم أمره.

……..

"ده معتوه ياباشا واللي بيسمعوا كلامه شباب شايفين إن الحالة دي موضة، زي الهيبيز كده والإسلامية لما كانت موضة وبعد كده حتروح لحالها"

"مش ممسوك عليه حاجة"

"يا باشا ده لا بيعمل خير ولا بيعمل شر ده راجل أتفه مما تتخيل"

"إزاي مش متجوز مش مصاحب"

"لأ"

"أكيد بيعط مع حد هاتوهالي"

تنهد الضابط: "دي عجوزة يا افندم، معدية الستين سنة".

ضحك العقيد عمر عاليا، وعضلات وجهه تنقبض وتنبسط.

"ياباشا ده رغم وسامته وشياكته وكتر المعجبين بيه، إلا إنه بيحب الحاجة زينب، في عته أكتر من كده"

ضحك العقيد ضحكة مجلجلة، ضحكة عاهرة ممحونة.

…..

العقيد عمر يأكل مع زوجته نهاد،  صامتان على غير العادة، كانت تفكر في الفيديوهات التي أدمنتها ابنتها، كيف تستمع لهذا الهذيان وتترك ما ربيناها عليه، تذكرت نفسها عندما كانت صغيرة، في الواحد والعشرين من عمرها، فكرت كثيرا في الهرب، كلما تأخرت مع أصدقائها يمسيها والدها بضربة.

"إنتي إيه رأيك"

تساءل العقيد، بلع ريقه بصعوبة.

"إيه رأيك في الفيديوهات العبيطة دي"

"واحد فاشل بيقول لناس قدسوا الكسل وناموا كتير وكلوا واشربوا وما تتجوزوش، مع إن الجواز نعمة هههه"

"بتضحكي ..أنا شايف إن الموضوع له علاقة بشاب، شاب من إياهم وانا حاعرفه، ممكن يكون عجبته الأفكار دي عشان خاطر بتخلي البنات ساهلين"

دائما ما تشعر بمثل هذا التوتر كلما جلست معه لتناول طعام، أو في أحاديث السهرة بعد نومه الخشن معها على الفراش، كانت تشم عرق فتيات أخريات على جسمه، ولكنها لم تجرؤ حتى أن تسأله، كانت تخاف من جرأتها، تكبتها وتخشاها خشية الفتيات البكر من فض بكارتهم أثناء ممارسة الجنس، والضغط الزائد التي تفرضه على روحها، جعل التوتر شيئا طبيعيا، أحيانا كثيرة كانت تريد أن تطرش مافي بطنها، ولكنها تكبت الرغبة حتى ينتهي من طعامه ثم تهرع إلى الحمام وتطرش.

"فكرتي قبل كده وانتي في سنها انك تهربي"

أحست أنه يقرأ ما يدور في عقلها، يضبطها متبلسة بأفكارها.

"أنا متربية وعمري ما هربت"

"هه عارف إنك ما هربتيش قبل كده، أنا باسألك فكرتي"

طرشت ما في بطنها، وضحك العقيد ضحكة مجلجلة، ضحكة عاهرة ممحونة تغوي الرجل العنين وتتلذذ بعجزه أيما تلذذ.

……

للمرة الثالثة يقرأ الضابط إبراهيم سيرة يوسف المختصرة في ملفه:

يوسف نور شاب في الأربعين من عمره، ليس له أي نشاط سياسي، أو سجل إجرامي، يتعاطى الحشيش والكوكايين والأسيد، لا يمتلك سوى محل بقالة صغير تركه له والده، بعد هوجة الخامس والعشرين من يناير بدأ يعلق على الأحداث، يصور نفسه بكاميرا رديئة ويحمل فيديوهاته على يوتيوب، ثم جاء له رجال من المخابرات أخبروه أنه شاب مجتهد وأن بعض المسؤولين معجبون به، ويريدون أن ينجمونه ويرفعونه، قال لهم شكرا، وعبر عن فرحته بأن رسالته تصل إلى السلطة، ولكنه لا يريد أن يكون نجما، والأموال التي يجنيها بمشقة تكفيه، وأنه يحب حياته وأصدقاؤه، منضم إلى شلة من ثلاثة مراهقين في بداية العشرينات عواطلية، وليس له إلا صديق مجنون بالفصام يعمل بمحل حلاقة، وشحاذة عجوز يمارس معها الجنس في مقابر السيدة، بلا صديقات بلا زوجات، يتردد أحيانا على خرابة خلف جامع محمد علي باشا، يسمونها الحانة، يتعاطون فيها المخدرات، وهو مكان آخر يمارس فيه يوسف الجنس مع الحاجة زينب بطريقة غريبة للغاية، حيث يشرب يوسف خطوط الكوكايين، وتضحك الحاجة زينب، وبعد مرور دقائق يضحك يوسف معها، ترقص زينب، يحضنها يوسف، يظل حاضنها لساعات حتى يظن عميلنا أنهم ماتوا واقفين، ثم يجرد كل منهم الآخر ملابسه ببطء، وكل ما يفعلونه يفعلونه وهم في حالة ضحك هستيري.

"ندى" تذكرها الضابط فجأة هاتفا باسمها، تلك المرأة التي تعمل محررة بصحيفة يومياتي، نعم هي التي كشفت له عن كوادر إخوانية وثورجية، كانوا صعبين المراس، ولكن الأمر لم يأخذ في يدها غلوة، هي من تستطيع.

…...

ندى فتاة تافهة العقل تتميز  بجمال فائق، ووجه تعجز أساريره عن الضحك للدرجة التي سماها أصدقائها "ندى اللي ما بتضحكش"، تمتاز شخصيتها بالسطحية والغباء الشديد واقتصار تركيزها على الماكياج والأزياء والعربية والآفيون، وترى الناس الذين يهتمون بما هو أوسع من تفاهاتها شديدوا الغباء، ومعقدين نفسيا، حتى الذين يهتمون بالجنس والمخدرات، كل ذلك لا معنى لها، وترى أن جسمها الذي يسحر الكثيرين هو آية البرهان على غباء البشر، وتحتار لماذا يخر الرجال ركعا عندما يرونها، وبالأخص هؤلاء الذين قاوموا التعذيب والكهرباء والفصل من وظائفهم من أجل مبادئهم... مثل حمدي، قاوم كل ذلك وبمجرد أن ظهرت له وعبرت عن إعجابها به، حتى أباح لها بكل أسرار الخلية الثورية التي أنشأها على امتداد عشرة سنوات، هكذا يا لغباء الناس.

عندما أخبرها إبراهيم باشا أن هناك شابا عصيا، وهل يوجد رجل عصي عاص لإيره؟ إنها نقطة ضعف جميع الرجال.

…...

ذهبت ندى إلى الدكان والشمس تحاول أن تميل إلى الغروب، الطيور سابحة في الأفق الضائع خلف حجاب المباني القصيرة في الشوارع الضيقة، والقطط والكلاب تلهو وتعبث، والبشر سارحون عن ملكوت الحياة في ملك معيشتهم، أجالت بعينها حلاوة وخبز قديم معفن، ومخلل، أي رجل مختل عقليا، أي تهديد يمثله للسلطة، اشترت كثيرا قالت له من كل شيء لون، هل هذا كل شيء؟ نعم كل شيء، وأين شيؤك، ضحك يوسف، حاولت أن تضحك مجاراة فخذلتها كالعادة عضلات وجهها، ونبضات قلبها، جارت ضحكته بأداء صوتي ركيك.

أحب يوسف ندى لأنه لم يحبها أو بالأحرى أحب نفسه، كانت تمنحه صورته عن ذاته التي تغيرت بعد تجربته مع الحاجة زينب، لو رآها قبل الحاجة زينب لضعف أمام هذا الجمال الآسر، ولكن تذوقه الغريب والمدهش في البداية لجمال الحاجة زينب أفاقه، لقد ظل طيلة حياته أسير قيود لا يشعر بها، قيود تشبه الأغصان الطفيلية غير مرئية، أحاطت بذراعاتها روحه وعقله وشعوره، كانت تجذبه الخصور والنهود والقد الممشوق، والكرف الشاب، الصوت المرتعش، الجسم الأبيض المائل للدكنة، كأن درجات الألوان تتصارع فيه، وعندما رأى الحاجة زينب تحركت نوازع بداخله، حاربها بشكل تلقائي، عجوز ومجعدة الوجه، وفي اللحظة الذي مل من الحرب، استطاع أن يرى صوتا داخله صاف كسماء ليلة صيف في منتصف الشهر العربي، وصامتا كحضور صوفي، مجرد أن سمعه\رآه تحرر، أبصر أشياء جميلة لم يكن يعتقد أنه عرف أنها جميلة، ترك عمله بمجال الإخراج الوثائقي وأصدقاؤه المبدعين والطموحين واختار ثلاثة شباب عواطلية، لا يفعلون شيء سوى الاستمتاع الرطب بملذات الحياة، واتخذ من الحاجة زينب خليلة، وهو ينظر إلى ندى جالسة كأميرة معزولة حديثا أحس بدرجة البرود التي في روحها، فكر كيف يشعل النار في جسمها ومشاعرها، وحسدها لانعدام الرغبة، خمن يقينا أنها ستشعر بالنرفانا في اللحظة التي ستشتعل فيها النار، ستبكي كثيرا للحياة الحارة التي ستنبت داخلها، وتنمو، وخمن أيضا أنها ستحافظ عليها حفاظها على جسدها.

قالت له مرة أريد أن أستريح، منحها كرسيه، ظن أنها إحدى المعجبات به بعد مشاهدتها لفيديوهاته على يوتيوب، جاءت له الحاجة زينب وهي تشرب الكولا، حكى لها عن الفيديو الجديد، الحاجة زينب تضحك وهي تسمع كلامه ببلاهة المجاذيب، اقتربت منه فجأة ومسكت إيره، ضحك، عيب مش قدام المدام، أنا آنسة لو سمحت، ضحكت الحاجة زينب هاهاتين متقطعتين ثم انفجرت ضاحكة آنسة هاهاها.

أحست ندى بتوتر، لم تشعر به من قبل، أعرفك دي الجيرل فريند بتاعتي، مش عيب واحد زيك يصاحب واحدة زي دي، دا انت أجمل واحدة تتمناك، مش عارف ممكن بس دي اللي اختارها قلبي، صح يا حاجة، لم ترد انفجرت ضاحكة أكثر.

……….

أي رجل لديه نقطة ضعف، المال الحشيش الجنس السلطة الشهرة، أما يوسف ماهو نقطة ضعفه أليس إنسانا، دخلت عليه المحل في الظهيرة، لا شيء… امرأة عجوز يقضي لها طلباتها سمنة وزبدة وسكر، ينظر إليها بعد أن انصرفت العجوز، يبتسم لها "ساعات باحس إني بابيع للناس الشهوة مش الأكل، أنا باعرف الناس من الحاجات اللي بياكلوها، واللي بيجيب سكر بيخاف من الحقيقة، من طعم الحاجات، واللي بيشرب بن غامق سادة ده مبدع ومتصالح مع الحياة، مافيش مشكلة لو حط شوية سكر صغيرين عليها، لكن معظم الناس في حتتنا ما عندهاش شهوة بتاكل عشان تحافظ على حياتها"

أغمض يوسف عينيه، وابتسامة كبيرة ترتسم على وجهه، أخذ شهيقا طويلا، ابتسم أكثر، من هو؟ ولماذا هو سعيد هكذا؟ أهو أهبل، ولماذا تقلق منه السلطة، واعتبرته تهديدا، اللعنة على الانترنت جعل لهذا المعتوه شأنا، أحست بقلة القيمة وهي تنظر إلى ابتسامته، رأتها بلهاء، تعكس شخصية إنسان كسول غبي فقير جاهل، هذا هو الرجل العصي، نعم لأنه غبي وكسول ويفرح في الظروف التي لا تستدعي الفرح.

….

زعق لها الضابط عندما أخبرته برأيها في يوسف "با قول لك مش إنت اللي تقيمي هو مهم ولا لأ، الراجل ده مهم إننا نمسك عليه حاجة، دي تعليمات عليا"

"ما تجيبوله أي عاهرة من الشارع"

"جبناله وحياتك، وفيه كتير في منطقته، لدرجة إننا حاولنا نجند الحاجة زينب بس عقلها في البلالة خالص"

"ما دام هي في البلالة يبقى أكيد هو في البلالة"

"لا هو مش في البلالة، وعيب على ذكاءك وجمالك واحد فقير وكحيان زي ده مش عارفة تغريه، يسيبك عشان واحدة عاهرة وعجوزة أحيييه يا ندى أحيه".

…………….

قضت ندى ليلتها عارية أمام المرآة، بعد أن اشتغل التكييف وملأ الغرفة بالدفء، لله كم أحب الهواء الصناعي، برد التكييف في الحر جميل، ودفء التكييف في البرد جميل، نظرت إلى جسمها وفي روحها بقايا إهانة لعدم ضعف يوسف أمامها، لمست على صدرها، إنها تعرف عيوبها جيدا، إنها لا تستطيع أن تحرك جسمها وهي على السرير، جسمها يظل قطعة ثلج جامدة، لاحظت كيف ترسم أجساد زميلاتها العاهرات هذه التحركات قوسا للأمام، هذا ما يخلق جاذبية الأخريات، ولكن كل الرجال كلهم ترى في عيونها الناظرة إلى جسمها هذا الألق، إنه الأورجارزم الخاص بها، كلما ظهر هذا الضوء في عيني رجل عرفت أنها تمتلكه، جسمها هو الحاكم هو صاحب السلطة، سلم له طواعية فتحي الشاب الثائر الناشط، وعلي القاضي، والشيخ ميمون السلفي، وعبدالله الإخواني، جسمها أشعل فيهم الرغبة، جسمها قيد حريتهم، جسمها كشف حقيقتهم، جسمها أوقعهم في يد الشرطة، جسمها حكم عليهم بتهمة محاولة إسقاط النظام، جسمها سجنهم، جسمها أعدمهم، شعرت بإحساس غريب وغامض، لأول مرة تفكر في هذه الخواطر، شعرت كما لو كانت جنت.

ما عداه، هو الذي نظر إليها بلا خضوع، نظرته تحمل ألقا آخر، ألق عينيها عندما تنظر إلى نور عيون الخاضعين، تذكرت فجأة كلمة السيسي "انتو ما تعرفوش إنكم نور عينينا ولا إيه"، تذكرت ضحكتها، ضحكت، وعاشت ضحكتها في الماضي الآن، كلمت\أكملت شرودها، لذا خضعت لإبراهيم لما عرفت أنه نور عينيها، إبراهيم جعل لجسمها معنى، كانت فقط تستمتع بسلطته على أرواح المارة العابرين، وجذب زملائها في العمل، وإحباطهم على السرير، كم تعشق البؤس الذي تزرعه في أرواح الرجال الذين عبدوا جسمها، ولكنه عشق فوضوي، حتى جاء إبراهيم واستخدم سلطة هذا الجسم في إغواء المعارضين، واستطاع أن يوقع رؤوسا كبيرة في المعارضة، وجواسيس، أحست بقيمة سلطة جسمها أكثر، وأحبت نورها في عيون إبراهيم.

إلا عيون يوسف، عيون بلهاء، تماما مثل عيني الحاجة زينب، ابتسمت لهذه الخواطر وقالت لنفسها بصمت "بقيتي فيلسوفة يا بت"

……

قالت ندى له:

"إنت بتغمض عينيك كتير ليه"

"العين لما بتفتح بيتشتت إنتباهها في تفاصيل كتير"

"ولما تغمض"

"الحاجة زينب قالت لي إنها لما تغمض بتشوف عالم تانية وناس تانية، ولما تغمض في العالم التاني بتشوفني، تحكي لي عنهم، وجوه زي الجماجم من غير عيون بس صوتهم حلو، في حلاوة الصمت، وقرود لونها أخضر وبتتكلم زينا بس بلغة تانية، وقبل ما تغمض عينيها لساعات قالت لي أنا حاحكيلهم عنك"

"عشان كده بتغمض كتير"

"كل مرة باغمض فيها بيبقى عندي أمل إني اروح عالم الحاجة زينب، باحس إنه العالم بتاعي أنا بردو"

"وبتشوف حاجات"

"باشوف وجوه زي اللي حكت لي عنهم الحاجة زينب، وساعات لما باشم عدس  اشوف جناين كبيرة"

ابتسم لها ابتسامة واسعة "عارفة لما باشمك باشوف إيه؟"

"إيه؟"

"حفرة سودة وواسعة ولما بتضحكي وانا مغمض باشوف مية شبح مرعب بيضحكوا"

"هو انا جسمي ما بيجذبكش"

"زمان وانا صغير كنت فاكر إني ممكن اغير العالم، ولما شاركت في ثورة يناير رجعت لي الرغبة دي تاني، وكنت باحب واحدة من الناس اللي شاركت في ثورة يناير،كنت حاسس وانا معاها إني خلقتها وخلقتني وخلقت الدنيا الحلوة دي لينا، ولما بقينا لوحدينا تنشنت، اكتشفت إن الأستاذة المتمردة ما حدش لمسها، لسة بكارتونتها، كانت بتلبس الهدوم وهي متوترة مش مهم الجنس، مش مهم ما الناس بتعمله ومبضونة من حياتها، أنا اتصدمت، وما كلمتنيش تاني، وأقنعتني إن مافيش كيميا ما بينا، وصدمتي دي شوهت حلمي بتغيير العالم،  وصدمتي دي خلتني اكتب حاجات مش عايز اكتبها، لحد ما شفت الحاجة زينب وساعتها اتعلمت أكبر درس في حياتي.

الإنسان  والكاتب بالذات لازم ما يعوزش أي حاجة، لأنه لو عاز شهرة أو اعتراف أو فلوس أو مزز مش حيقول اللي هو عايزه، وإذا ما قالش اللي هو عايزه، مش حيعيش اللي هو عايزه، وإذا ما عاش اللي هو عايزه مش حيعوز اللي هو عايشه، وإذا ما عازش اللي هو عايشه، مش حيعيش اللي هو عايشه،تعرفي إن فيه ناس من  فوق عرضوا علية إني اشتغل في قناة وابقى إعلامي مشهور زي باسم يوسف"

"فعلا.. تبقى غبي لو رفضت"

"أنا باحب باسم يوسف بس مش عايز أبقى مشهور، أو غني، أو أي حاجة، ومش عايز ابقى مش مشهور،" سكت برهة وأكمل "عشان كده أنا مش عايز أي حاجة، مش عايز، عشان كده أنا عايش، والبركة في الحاجة زينب هي اللي علمتني كل ده من غير ولا كلمة"

"عشان كده كسراك بجمالها وحلاوتها ومالكاك بيهم ومش قادر تبص لأي واحدة تانية حتى لو كانت أجمل منها وتديها بالجزمة"

"الحاجة زينب عشق السنين، أنا مش عارف حياتي كانت حتبقى عاملة إزاي من غيرها"

"بتكيفك كويس ولا قصر ذيل"

"زينب دي معجزة، دي مش الحاجة زينب، دي السيدة زينب، واحده عمرها تلاتة وستين سنة ولسة بتعشق الجنس، البوس اللمسات الأحضان، بتضحك ضحكة ولا أجدعها ست، وبترقص رقص ولا أجدعها ست، ياه دي غيرت نظرتي للست، مرة وهي بترقص شفتها وهي صغيرة عمرها عشرين سنة ممكن، بس إيه مزة، ومرة، ودي أحلى مرة، شفتني واحدة ست، وأغريتني، مش قادر اصدق اللمعة في عينيها، كلها عشق وشغف بي، للدرجة لما حضنتها حسيت إني باحضن نفسي، ومن ساعتها أنا فاكر اللحظة دي كويس لأنها شكلت نظرتي للحياة بعد كده، قررت إني أعيش وما أعوزش أي حاجة"

اندهشت ندى للمعة التي في عيني يوسف، ولكن نظره كان سارحا في ماضي يعيش فيه هنا والآن، لمعت في عينيها فكرة، أن تخبيء سكينا لها، لعل موتها يدنيها منه.

……

مقابر على مدى البصر، وفزع على امتداد القلب والروح، صمت مخيف يقطعه خطوات مجهولة، وظلام دامس يهتكه ضوء القمر.

"جايب معاك فارة يا يوسف"

قالت الحاجة زينب.

لجأت ندى إلى جسد يوسف ممسكة بيديه، رسم ضوء القمر ملامح السيدة زينب في عيني ندى بتجاعيد متراقصة من ضحكتها وعينين تلمع بالضحكة والطمأنينية، ووقع نور الحاجة زينب في قلبها موقع هلع.

ضحكت الحاجة زينب من فزعها، انتفضت فارة، يلاحق هلعها ضحكات الحاجة زينب.

ابتسم يوسف وهو يرقب فرارها، إنها ليست الفتاة الأولى وليست الأخيرة، وولى وجهه وجه الحاجة زينب.

……...

مكثت شهورا لا تأتي ليوسف، استلممت شتاتها وذهبت إلىه في عز النهار، ولكن السحب قد حجبت ضوء الشمس، وهطل المطر جهنم على قلبها، وسكينتها في يدها اليسرى، ويدها اليسرى في جيب قميصها، الدكان مغلق، شعرت بجرح غائر في قلبها، أكيد أغلق الدكان حتى لا يراني، ألا يهزه جمالي، هل هو فاقد للشعور والاحتياج للجنس، ارتعش جسمها خوفا كلما لامست جبهتها المبللة حبات المطر.

ذهبت إلى المقابر، لقد حان الوقت تسلحي بالحقد يا ندى حتى تتشجعي على قتلها.

"مالك يا حلوة إنتي بتخافي"

ارتعشت من الخوف.

"إنتي خايفة"

اقتربت الحاجة زينب بملاءتها السمراء وشعرها المسترسل المبلول على ظهرها، وجهها المجعد يعري عمرها الكبير، وشعرها العابث يفضح روحها الشابة، ابتسمت وبدت كأنها أميرة هندية حمراء.

"لما توصلي للخمسين حتعرفي إن البني آدمين كائنات يتبضن منها مش تخافي"

نظرت إلى عينيها بغل غليل، والمطر يهطل بقوة عليهما.

"إنتي مبسوطة يا حاجة؟"

بسطت ذراعيها، وقوسته وكفها ينظر للسماء ووجهها مبتسم، تشبه هيئة يوسف، كأنها تقول "ما اعرفش\مبسوطة" فكرت أن هذه الحركات هي ملك للسيدة زينب، وأن يوسف يقلدها.

"هو بيحبك ليه؟"

"يا حبيبتي كل البرد ده جوا روحك وجسمك"

ارتعد البرق، ضحكت زينب بصوت مبهج عال، خافت روح ندى أكثر، تعالى الرعد، وتسارع البرق، شعرت بهبوط دموي، رأت فلاشات قصيرة، واقفة في مترو وسط زحام ومجذوب ضحكته جميلة ومستمرة وهو ناظر إليها، كيس أسود كبير بداخله غصن أخضر يحترق، شباب يرتدون قمصانا تشبه قمصان الثمانينات وهي ترقص وفي فمها سيجارة.

نظرت أمامها تحاول الهرب من تلك الفلاشات بالحاجة زينب، كانت ترقص على موسيقى تسمعها وحدها وهي تدندن:

حبيبي غواني جسمي ارتعش وعقلي داخ

فتح عينية على دنيا حلوة وبشر أوساخ

توقفت زينب عن الرقص وبحلقت فيها.

أشاحت ندى بوجهها عن عينيها، شعرت أن لعينيها نور فرح يفقدها سلطانها، سحرها سيتلاشى إذا نظرت، وهي التي تعتبر حياتها سطر كلماته الإغواء، والباقي فواصل فراغ بين غوايتين، أمسكت بيدها على السكين أحكم، وردت بصرها غير معقول، رأت نفسها رجلا، أحبته حد النشوة المطلقة، وأفلتت لجامها، حضنته\ها وبكت.

وبعد برهة دموع، فتحت عينيها، وجدت شمسا يتعرى ضوءها على استحياء وقوس قزح، "الله!" هتفت.

"هو ده بجد"

"إنتي شايفه"

"اللي انا شايفاه بجد"

"غمضي عينيكي"

أسدلت ندى جفونها فانكشفت الستائر عن جنائن وأنهار بيضاء، وقرود ملونة تنظر إليها وتضحك، ضحكات شبيهة بضحكات الحاجة زينب.

"العالم بتاعك حلو قوي يا حاجة"

فتحت عيونها على فراشات وشمس وقوس قزح.

"والدنيا حلوة قوي يا حاجة"

أرجعت ندى لها بصرها، رأت فتاة عشرينية، بلا تجاعيد، وشعرها يسبح في الهواء المستحم، كانت تريد أن تقول لها "يا بخت يوسف بيكي" ولكنها قبلتها من فمها قبلة طويلة.

…..

قابعة تبكي في ظلمات غرفة موصدة بابها ونافذتها عن نور الصالة وضوء القمر، وجسمها مرتعش ببصمات تعذيب والدها لها بالحزام، ومشاعر الخوف والفزع تزلزل جسدها وروحها، عيناها تبصر ألف شبح لوالدها وهو يرفع الحزام القاسي عليها، وأذنها لا تسمع سوى صوت ضحكات والدها بعد أن انتهى من ضربها، لم تكن تدري أن هذه الأشباح ستظل تطاردها في كل مكان، وأن إيقاع ضحكة والدها العقيد لن يبرح أذنها.

وفي ظلمة غرفتها أوقدت ندى كعادتها شمعة، وتجردت أمام المرآة، أغلقت الأنوار والتكييف وفتحت شباك غرفتها على مصراعيها، وتأملت عريها في المرآة، لاحظت بروزا في نهديها، وتقوس في أسفل عمودها الفقري للأمام، وبروز في عجيزتها، تنهدت، وقبلت نهودها في المرآة، شغلت الموسيقى، وتركت جسمها يرقص.

…..

ظلت ندى تردد ترانيم الحاجة زينب، عند الاستحمام، والماكياج، واستقلال التاكسي، وركوب الأسانسير، وقبل النوم:

حبيبي غواني جسمي ارتعش وعقلي داخ

فتح عينية على دنيا حلوة وبشر أوساخ

,,,,,

تمشت في شارع طويل، ضلت الطريق لم تكن تعرف أي طريق كانت تسير فيه، استمتعت بضلالها، شاب يتمشى خلفها.

"هو القمر مش يناوي ينورنا ولا إيه"

وقفت والتفتت باسمة.

"هو الأسد عرينه فين؟"

بعد أن وقفت من نومها الحميمي معه، وارتدت ملابسها، وهمت بالانصراف.

"مش حابة تعرفي اسمي؟"

"ما اعرفش"

"حتيجي تاني"

"ممكن"

……

فتاة العقيد جالسة على مدرج الكلية، صديقها يقول نكتة يضاحكها، أعجبتها، ضحكت ولكنها عجزت، بكت ولكنها عجزت.

…….

"أحة! نعم مش عايزة تكملي أحة هو انتي بتعوزي يا عاهرة ولا احنا اللي بنعوز"

"أنا مش حاكمل في المهمة دي ويمكن في الشغلانة كلها"

"وحاتشتغلي إيه إن شاء الله"

"حامسك سبح واقعد مع الدراويش أغني واذكر"

"لا يا ندى انتي مش حتمسكي سبح وحتكملي المهمة دي وغيرها"

"لأ"

انفرجت أسارير إبراهيم باشا فجأة، وضحك ضحكة عاهرة، وقبض على يده، ورفع قبضته بمحاذاة وجهها.

"إحنا سلطة إنتي نسيتي يعني إيه سلطة ولا إيه"

أحست ندى بالخوف، أغمضت عينها، وابتسمت ضاحكة.

"إنتي بتعملي إيه؟ إنتي بتضحكي!"

لم تلحظ ندى نفسها وهي تبسط ذراعيها، وتقوسها بكفين ناظرتين إلى الشمس، وتحرك كتيفها وكأنها تقول "ما اعرفش\أنا مبسوطة"، تماما مثل هيئة يوسف والحاجة زينب، وضحكت.

 

لقراءة رواية بنت سليمان أحمد شهاب الدين 

كيرف قصة قصيرة 

 


المحتوي بقلم احمد شهاب الدين

وجهة نظرك